ابن تيمية

63

مجموعة الفتاوى

يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْهَادِمَ هُوَ إسْلَامُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ لَا إسْلَامُ الْمُنَافِقِينَ . وَأَيْضاً فَعَمْرُو بْنُ العاص وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ قَدِمَ مُهَاجِراً إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ هَاجَرُوا إلَيْهِ مِنْ بِلَادِهِمْ طَوْعاً لَا كَرْهاً ، وَالْمُهَاجِرُونَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُنَافِقٌ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ فِي بَعْضِ مَنْ دَخَلَ مِن الأَنْصَارِ ؛ وَذَلِك أَنَّ الْأَنْصَارَ هُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ؛ فَلَمَّا أَسْلَمَ أَشْرَافُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ احْتَاجَ الْبَاقُونَ أَنْ يُظْهِرُوا الْإِسْلَامَ نِفَاقاً ؛ لِعِزِّ الْإِسْلَامِ وَظُهُورِهِ فِي قَوْمِهِمْ . وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ كُفَّاراً فَلَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ إلَّا مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ ظَاهِراً وَبَاطِناً ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ يُؤْذَى وَيُهْجَرُ ؛ وَإِنَّمَا الْمُنَافِقُ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ لِمَصْلَحَةِ دُنْيَاهُ . وَكَانَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ يَتَأَذَّى فِي دُنْيَاهُ ؛ ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ مَعَهُ أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُنِعَ بَعْضُهُمْ مِن الهِجْرَةِ إلَيْهِ ، كَمَا مُنِعَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مِثْلُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَخُو خَالِدٍ أَخُو أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ ؛ وَلِهَذَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ لِهَؤُلَاءِ وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ : اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، والمستضعفين مِن المُؤْمِنِينَ . اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنينا كَسِنِي يُوسُفَ } . وَالْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ اتَّهَمَهُ أَحَدٌ بِالنِّفَاقِ ؛ بَلْ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ مَشْهُودٌ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ { وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ } .